صديق الحسيني القنوجي البخاري

184

أبجد العلوم

فليست اللغات وملكاتها مجانا ، ولقد كان اللسان المضري مع اللسان الحميري بهذه المثابة ، وتغيرت عند مضر كثير من موضوعات اللسان الحميري وتصاريف كلماته ، تشهد بذلك الأنقال الموجودة لدينا ، خلافا لمن يحمله القصور على أنهما لغة واحدة ، ويلتمس إجراء اللغة الحميرية على مقاييس اللغة المضرية وقوانينها ، كما يزعم بعضهم في اشتقاق « القيل » في اللسان الحميري أنه من « القول » وكثير من أشباه هذا ، وليس ذلك بصحيح . ولغة حمير لغة أخرى مغايرة للغة مضر في الكثير من أوضاعها وتصاريفها وحركات إعرابها كما هي لغة العرب لعهدنا مع لغة مضر . إلا أن العناية بلسان مضر من أجل الشريعة - كما قلناه - حمل ذلك على الاستنباط والاستقراء ، وليس عندنا لهذا العهد ما يحملنا على مثل ذلك ويدعونا إليه . ومما وقع في لغة هذا الجيل العربي لهذا العهد حيث كانوا من الأقطار شأنهم في النطق بالقاف ، فإنهم لا ينطقون بها من مخرج القاف عند أهل الأمصار ، كما هو مذكور في كتب العربية أنه من أقصى اللسان وما فوقه من الحنك الأعلى ، وما ينطقون بها أيضا من مخرج الكاف ، وإن كان أسفل من موضع القاف وما يليه من الحنك الأعلى كما هي ، بل يجيئون بها متوسطة بين الكاف والقاف ، وهو موجود للجيل أجمع حيث كانوا من غرب أو شرق ؛ حتى صار ذلك علامة عليهم من بين الأمم والأجيال ومختصا بهم لا يشاركهم فيها غيرهم . حتى أن من يريد التعرب والانتساب إلى الجيل والدخول فيه يحاكيهم في النطق بها ، وعندهم أنه إنما يتميز العربي الصريح من الدخيل في العروبية والحضري بالنطق بهذه القاف ، ويظهر بذلك أنها لغة مضر بعينها . فإن هذا الجيل الباقين معظمهم ورؤساؤهم شرقا وغربا في ولد منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان من سليم بن منصور ، ومن بني عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن بن منصور . وهم لهذا العهد أكثر الأمم في المعمور وأغلبهم ، وهم من أعقاب مضر ، وسائر الجيل منهم في النطق بهذه القاف أسوة . وهذه اللغة لم يبتدعها هذا الجيل بل هي متوارثة فيهم متعاقبة . ويظهر من ذلك أنها لغة مضر الأولين ولعلها لغة النبي - صلّى اللّه عليه وسلم - بعينها وقد ادعى ذلك فقهاء أهل البيت وزعموا أن من قرأ من أمّ الكتاب اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ بغير القاف التي لهذا الجيل فقد لحن وأفسد صلاته . ولم أدر من أين جاء هذا : فإن لغة أهل الأمصار أيضا لم يستحدثوها ، وإنما تناقلوها من لدن سلفهم وكان أكثرهم من مضر لما نزلوا الأمصار من لدن الفتح ، وأهل الجيل أيضا لم يستحدثوها إلا أنهم أبعد من مخالطة الأعاجم من أهل الأمصار . فهذا يرجح فيما يوجد من اللغة لديهم أنه من لغة سلفهم ، هذا مع اتفاق أهل الجيل كلهم شرقا وغربا